
ربّما ستبتسم مندهشاً عندما تعرف أنّ سوق التلل، الذي يُسمّى أحياناً بـ”الشارع الأنيق”، والذي تعتبره أحد أهمّ معالم حلب، لم يكن دوماً بهذا الوجه، بل كان ذات يوم سلسلة تلال تُستخدَم مناشرَ للزبل وروث الأبقار !
يروي المهندس والمؤرّخ الحلبي، عبدالله حجار، أنّ سبب تسمية “التلل” بهذا الاسم يعود إلى الزلزال الذي ضرب حلب عام 1823م، إذ دمّر آنذاك ثلثي بيوت المدينة الواقعة داخل السور، وكان من بينها هذه البقعة الجغرافيّة. ومع طبقات الركام؛ تشكّلت تلال صغيرة كان الناس يجفّفون عليها روث البقر، لسرعة اشتعاله في نار المطابخ، ومن هنا جاءت تسميته.
أما العثمانيون فقد سمّوه بـ”الصليبة الصغرى” تمييزاً لها عن الصليبة الكبرى المجاورة.
مع الوقت بدأ المكان يتغير؛ فبحلول عام 1882م شرع الناس بالبناء فيه، وبدأت تلك “التلال” تتحول من هامش إلى مساحة عمرانية تنمو وتتمدد.
صُمّم السوق على الطراز الشرقي؛ يتجلّى ذلك في شكل البيوت والمحلات والكنائس المنتشرة فيه، وفي رصف شارعه الرئيسي بالحجر البازلتي الأسود. وهو اليوم سوق لا يهدأ، ويضم قرابة خمسمئة محل متنوّع تلبي كلّ احتياجات الأفراد والعوائل، وكان يُعدّ منافساً للأسواق القديمة المسقوفة في المدينة.
تعود أهمية السوق اِستراتيجياً إلى توسّطه مدينة حلب، حيث يبدأ امتداده من جادة الخندق مقابل فندق “الشيراتون” بباب الفرج حتّى تقاطع حي العزيزية، ويتألف من جادتين متقابلتين: الشرقية تندرج ضمن تنظيم المدينة القديمة، والغربية تدخل في التنظيم العمراني الحديث.
وفي وسط السوق؛ يقع فندق “الهوكيدون” التاريخي الذي يعود إلى القرن السادس عشر، ويُعتبَر “بيتاً روحياً” لأنّه كان محطة للحجّاج الأرمن القادمين من أرمينيا إلى القدس.
وفي موسوعته عن حلب؛ يذكر “الأسدي” أنّه كانت هناك تلّة في التلل تُعرف بـ”التلة السوداء”،ثم آلت ملكيتها إلى شخصٍ قام بتغيير اسمها إلى “النافعية”.
قد تشبه “التلل” حلب والأحداث التي تتالت عليها، فهي دوماً قادرة على النهوض من الركام والهامش، لتشكّل بعد ذلك ذاكرةً جديدةً أكثر تجذراً في المكان ووعي أبنائها.
————
المصادر:
تاريخ الذهب ـ الغزّي
موسوعة حلب ـ الأسدي
تحقيق بموقع وطن عن شارع التلل
