ايبلا وحلب.. شاهدان على حضارة لا تطمس

هل حلب كانت جزء من ادلب

تشكّل قلعة حلب حالة تاريخية يراجعها المؤرخون بشكل متكرر، ورغم أنها تشك جزءًا كبيرًا من الفخر والتاريخ والهوية لدى أهالي المدينة الحلبية.

وفي عروجنا إلى عراقة وأصالة تلك المدينة المأهولة منذ القدم كواحدة من أقدم الحضارات المستمرة إلى يومنا هذا، علينا أن نتذكر معًا أن تاريخ هذه المدينة وقلعتها كان له مكان في الكثير من الروايات والنظريات التاريخية. يتغير طابعها وشكلها وتفاصيلها بشكل متسارع في السنوات العشر الأخيرة. وعلى سبيل المثال، يعيد بعض الباحثين في اللغات استمرار استخدام الكلمة بعليه إلى اليوم بين أهالي حلب، فهم من نشروا استخدام أرض بعلية التي تعود إلى الإله بعل، إله المطر، وارتبطت معه فكرة الأراضي الزراعية المروية بمياه الأمطار على أنها بعلية.

عند دراسة حلب، هناك دائمًا مزيج من العلوم لتحليل وبحث تفاصيل حاضرة الشهباء وحضارتها، من التحليل اللغوي والبحث في الآثار والتنقيبات إلى الترجمات للنقوش في الحضارات والممالك المحيطة بها.

حلب الحاضرة وقلعة حلب

تشكل حلب الحاضرة وقلعة حلب رابطًا بصريًا وثقافيًا وثيقًا في الذاكرة الجمعية للسكان والمهتمين بتاريخ الشرق الأوسط. اسم المدينة وقلعتها يربطان دائمًا في الذهن، ما يعكس عمق التاريخ والتراث. وهناك رقمان متداولان دون وضوح تام؛ الأول هو تأريخ وجود المدينة منذ حوالي 12000 سنة قبل الميلاد.

لكن الدراسات الأثرية تؤكد أن أقدم أثر موثق في حلب يعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، أي حوالي 7000 عام، اكتُشف في منطقة تلة السودة وتل قصر شمال المدينة. هذا الأثر يمثل بقايا استيطان بشري مستمر منذ تلك الحقبة، ما يجعل حلب من أقدم المدن المأهولة في العالم. طبيعة موقع حلب الاستراتيجي، على مفترق طرق التجارة القديمة، وسير الحضارات الكبرى مثل الحثيين، الآراميين، البابليين والآشوريين من جهة، وتوثيقها عبر نصوص مصرية وآشورية وغيرها، كل ذلك يثري تاريخها ويجعلها مركزًا حضاريًا فريدًا.

أما الرقم 12000 سنة قبل الميلاد، فهو يُستخدم في سياقات تشير إلى وجود استيطان بشري بدائي في محيط حلب، لكنه يظل أقل تأكيدًا من حيث الدليل المادي مقارنة بـ7000 عام المكتشفة أثريًا.

إذن، حلب مدينة ذات قدم تاريخي يسجلها الأثر واللغة والتقاليد كبشرية واحدة من أقدم التجمعات السكانية المستمرة والمعروفة في تاريخ البشرية. وهي ترتبط ارتباطًا أعمق بقلعتها التي تشكل مركزًا دفاعيًا وتراثيًا من العصر البرونزي وحتى العصور الإسلامية والحديثة، ما يجعلها نموذجًا حقيقيًا للمدينة التاريخية الحية.

باختصار، مدينة حلب تملك جذورًا أثرية واضحة تعود نحو 7000 سنة، مع أدلة على وجود استيطان بشري يعود لما قبل ذلك في محيطها، بينما الرقم 12000 سنة يعبر عن بداية وجود أشكال الحياة البشرية البدائية في المنطقة، ويُستخدم شعبيًا أكثر منه تأريخيًا صارمًا.

تاريخ قلعة حلب والمصادر التاريخية

تعتبر المصادر التالية من أكثر المصادر المتداولة في إعادة صياغة تاريخ حلب المدينة والقلعة:

  • المؤلفات الأثرية تؤكد تاريخ تل القلعة منذ منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، مع وجود معبد إله العاصفة هدد (أو حدد حسب اللفظ والمصدر) ودلائل على استيطان حثي قديم في الموقع.
  • المصادر التاريخية الإسلامية التي تحدثت عن بناء القلعة في العصور الوسطى، خاصة في عهد الزنكيين والأيوبيين، حيث قام نور الدين زنكي والظاهر غازي بتعزيز القلعة، وهو ما وثقه ابن شداد في كتابه “الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة” (ت 1285م).
  • الشواهد المعمارية والنقوش التي حفظت معلومات عن المهندس ثابت بن شقويق المشرف على بناء القلعة.
  • كتب وشروح المؤرخين مثل شوقي شعث في “قلعة حلب: تاريخها ومعالمها الأثرية” (1996) التي تتضمن سردًا مفصلًا لأحداث القلعة وأهم آثارها.
  • كتابات الباحثين والمصادر الأثرية الحديثة التي تلقي الضوء على الفترات الحثية، الهلنستية، الإسلامية، والاحتلالات المختلفة التي مرت بها القلعة.

تل قلعة حلب معبد للإلهة ومكان للحج

لقب حجي الذي يُطلق على من يزور حلب في بعض السرديات الشعبية في مدينة ماردين التركية، يرجع إلى مكانة حلب التاريخية والدينية والثقافية في المنطقة. كانت حلب مركزًا حضاريًا ودينيًا هامًا منذ العصور القديمة، وشهدت عبور وتوافد العديد من الشعوب والحجاج. في العصور القديمة، كان للتل الذي قامت عليه قلعة حلب معبد للإله حدد، إله العاصفة والخصوبة، مما جعلها مزارًا دينيًا هامًا وجذبًا للحج.

نتيجة لهذه الأهمية الروحية والتاريخية، كان يُقال لمن يزور حلب للمرة الأولى أو للزيارة الدينية أنهم “حجوها”، أي أدوا زيارة روحية أو حجًّا إلى هذا المكان المقدس، فاستمر هذا اللقب كتعبير عن الاحترام والتقدير لمن زار المدينة. وفي الثقافة الشعبية السورية، يطلق لقب الحجي على الشخص المحترم أو صاحب مكانة معينة، مما يعزز دلالة اللقب كتكريم لمن زار حلب.

لذلك، يرتبط لقب حجي بزيارة حلب كمدينة ذات قيمة دينية وثقافية كبيرة، حيث كانت تُعتبر محطة روحية وسياحية تاريخية جاذبة، وهو ما انعكس في الذاكرة الشعبية لمن يعيش في المناطق المحيطة مثل ماردين.

من معبد إلى قلعة عسكرية

بدأت المظاهر العسكرية على تل قلعة حلب منذ العصور القديمة، حيث يعود تاريخ استخدام التل الذي تقوم عليه القلعة إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد. كان معقلًا يضم معابد حثية وآرامية وأسسًا لتحصينات بدائية. عبر التاريخ، تطورت القلعة لتصبح حصنًا مهمًا بفضل أعمال البناء والتحصين التي شهدتها في عصور متعددة.

بدأ عصر سلوقس نيكاتور الأول في الفترة الهلنستية باعتبار التل أكروبول وحصنًا محصنًا، ثم شهدت القلعة تحصينات هامة في العصور الرومانية والبيزنطية. وشهدت العصور الإسلامية أعمال تحصينية كبرى، وخاصة في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني، الذي اهتم بتحصينها في ظل الصراعات مع البيزنطيين.

لاحقًا، في عهد نور الدين الزنكي والظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، أصبحت القلعة تحفة عسكرية بمعمارها التحصيني القوي. ويشير المؤرخ جان سوفاجيه إلى أن الشكل العسكري للقلعة يعود في الأساس إلى عهد الظاهر غازي بعد سنة 1209م.

حلب وتبعيتها لحضارة إبلا

قلعة حلب لم تكن تابعة لمملكة إيبلا بشكل مباشر كجزء من حكمها أو إدارتها، لكنها تقع ضمن نفس المنطقة الجغرافية، مما دفع البعض لاعتبارها تحت نفوذ إبلا في الألف الثالث قبل الميلاد.

مملكة إيبلا كانت تقع في تل مرديخ على بعد نحو 55 كم جنوب غرب حلب، وكانت إحدى الممالك الكبرى في شمال غرب سوريا في عصر البرونز (حوالي 3000-2300 قبل الميلاد) وامتد نفوذها على مناطق واسعة قرب حلب.

النقوش المسمارية المكتشفة في إبلا وأماكن أخرى تشير إلى وجود علاقات سياسية وتجارية بين إبلا ومدن محيطة مثل حلب، حيث يُعتقد أن حلب كانت منطقة ذات صلات بمملكة إبلا، وربما تحت النفوذ أو الحماية في بعض الفترات، لكنها لم تكن عاصمة أو مركز ولاية تابعة مباشرة.

الاستيطان في تل قلعة حلب نفسه يعود إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد مع معابد وآثار تعكس حضارات محلية مستقلة أو متأثرة بإبلا، لكنها شكلت كيانًا منفصلًا عبر الزمن، خاصة في العصور اللاحقة كبنيان حربي وتحصين مستقل على مدار آلاف السنين.

بالتالي، العلاقة بين قلعة حلب ومملكة إبلا هي علاقة جغرافية وسياسية عامة في إطار تحالفات وتأثيرات متبادلة، وليست علاقة تبعية أو ولاية مباشرة، إذ كان كل منهما كيانًا مستقلاً ذو حضارة وحكم خاص به خلال التاريخ القديم.

خلاصة القول

مدينة حلب وقلعتها تمثلان نموذجًا فريدًا لتاريخ حضاري متجدد يربط بين آلاف السنين من الاستيطان البشري العريق والتحولات الحضارية المتعددة. تأريخها العميق والتنوع الثقافي والتاريخي يبرزها كواحدة من أقدم التجمعات البشرية المستمرة في العالم، حيث امتزجت الديانات، الحضارات، والتحصينات العسكرية لتؤسس هوية ثقافية غنية. تشكل القلعة مركزًا تاريخيًا وعسكريًا لعب دورًا محوريًا منذ العصور البرونزية وحتى العصور الإسلامية والحديثة، ما يعكس أهمية حلب كمحور استراتيجي وثقافي عبر العصور.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *