
ما عليك سوى أن تعبر باب أنطاكية في حلب القديمة، حتى تستقبلك رائحة لا تُخطئها الأنوف؛ زعتر بري يتمازج مع قرفة وورد ، تقودك إلى دهليزٍ مسقوفٍ بأقواسٍ حجرية تتنقّط منه فتحات ضوء صغيرة. هناك، في قلب هذه المدينة المعطّرة بالحجارة والذاكرة، يمتد سوق العطارين؛ جارُ السقطيّة من الغرب، ورفيقُ المحمّص والحبال عند الباب القبلي للجامع الأموي الكبير.
يُعدّ سوق العطارين أحد أقدم أسواق مدينة حلب، وأشهرها برائحة التاريخ التي تفوح من جدرانه. سُمّي بهذا الاسم لأن دكاكينه خُصّصت لبيع العطارة؛ من الأعشاب الطبية والعطور والزيوت الطبيعية، إلى التوابل الشرقية التي جعلت من السوق سفارةً لحلب في حواس الزائرين.
العطار الحلبي لم يكن مجرّد تاجر بل كان “طبيب الحارة” كما يقول الحلبيون: يصف الزهورات لتسكين الصداع، والقسط الهندي لعلاج المعدة، وزيت الغار لتقوية الشعر، ويبخر البيوت “على النية” لطرد العين والحسد.
وعلى رفوف الدكاكين قناني زجاجية مُعنونة بخطوط عربية جميلة: ماء الزهر – دهن البنفسج – المسك – العنبر – العود…الخ
عمارة سوق العطارين تشبه تركيب عطرٍ متقن، لا يُفهم سحرها إلا حين تُعايشها. الحجارة العتيقة تبرد في القيظ وتدفأ في الصقيع و كأنها تعرف مزاج المواسم.
الأقواس العالية تمتد فوق الرؤوس كضلوعٍ من صخر، تتخللها فتحات صغيرة تسكب ضوءاً ذهبياً على صفوف القوارير الزجاجية.
كل شعاع يوقظ لوناً: أصفر الكركم، وبنّي القرفة، وأخضر النعنع اليابس.
ومن بعيد يصل خرير أصوات النحاسين وهم يدقّون حكاياتهم على الصفائح، فيختلط صدى الحديد بالعطر، وتتحوّل السوق إلى مزيجٍ من فنٍّ وتاريخٍ ورائحةٍ لا تشبه إلا حلب.
تاريخياً، تشكّلت أسواق حلب القديمة حول المحور الممتد بين الأبواب والقلعة والجامع الأموي. نمت في زمن الزنكيين والأيوبيين، واستوت في العهد المملوكي، وبلغت أوج ازدهارها في العهد العثماني. وكان سوق العطارين أحد مفاصلها الحيوية؛ تجارة رائحتها تسبق القوافل، ووجهة يقصدها المتسوّقون من الريف والمدينة على السواء.
في ذاكرة الحلبيين، ظلّ السوق عنواناً للنقاء والعطر الطيب، ومكاناً يُقاس به جمال الرائحة وجودة الخلطة. وإذا مرّ زائر غريب من هناك، فلا بد أن يحمل معه شيئاً من أسراره: كيس زعتر، قنينة ماء زهر، أو حفنة قرنفل تعبق كأنها قطعة من حلب نفسها.
يقول المثل الحلبي:
“ريحة العطّار ما بتنخبا.”
ومن يدخل هذه القنطرة لا يخرج كما دخل: أنفه يحمل ذاكرة، ويده قنّينة من عبق المدينة، وداخله امتلأ من رائحةٍ تشبه حلب تماماً؛ عتيقة، حيّة، لا تشيخ.
