
ي قلب حلب، قرب نهر قويق، يستقرّ حيّ المشارقة كمساحة شعبية نابضة، ببيوته المتلاصقة ودكاكينه ووجوه أهله المتعارفة منذ أجيال. نشأ في أوائل العهد العثماني على تخوم السور الشرقي للمدينة، وكان بوابة بين الريف والمدينة ومحطة استقرار لوافدين من البادية والجزيرة، فاختلطت البداوة بالحضر وتشكل نسيج اجتماعي متنوع منح الحي طابعه الخاص.
كان نهر قويق يغذّي المزارع والمراعي، فازدهرت فيه الزراعة وتربية المواشي، واشتهر سكانه بصناعة النشاء التي تداولتها العائلات جيلاً بعد جيل. ومع الوقت تحول المشارقة من أطراف هادئة إلى مركز صاخب، امتلأت شوارعه بمحلات الحرفيين وورش السيارات وبيع القطع، وظلّ مقصداً لحاجات الناس اليومية. ورغم ازدحامه، بقيت بعض البيوت العربية محتفظة بفنائها ونوافذها الخشبية، شاهدة على زمن الجيرة الطيبة وموائد رمضان.
يحمل الحي أيضاً تراثاً وطنياً وروحياً؛ ففي وسطه يرقد ضريح المجاهد إبراهيم هنانو، وتجاوره التكية المولوية بقبابها وإنشادها الصوفي، كما بقيت الجوامع القديمة جزءاً من نسيجه الديني.
لكن للمشارقة جرح عميق. ففي عيد الفطر عام 1980 اقتحمت قوة من الجيش السوري الحي، واعتقلت العشرات من شبانه، ثم أعدمت أكثر من ثمانين منهم قرب المقبرة ودفنتهم في حفرة جماعية، تاركةً جرحاً لا يُمحى في ذاكرة المكان.
اليوم يواصل الحي حياته بين حركة التجارة وورش المهن والعمران الحديث، محافظاً على دوره داخل المدينة وعلى ذاكرة طويلة تمتدّ من نشأته الأولى حتى حاضر حلب.
